W r i t i n g

     

 حدود وتداخلات

عادل كامل

  1.    لم تعد المسافة بين المتخّيل والواقعي قابلة للفصل، كما لم تعد هناك، في تجارب الرسامين، مسافة بين المدارس والأساليب. فقد أصبح التجريب يسمح بتكرارات معدلة : عشوائية تأخذ انتظامها مع تراكم وتعاقب الأزمات . ورسومات محمد سامي ـ  بما  تمتلكه من نزعة تعبيرية وواقعية انتقادية ـ تؤكد عناصر الواقع، وترجعه إلى  لقطات مشحونة بالصراع والمفارقة. فالرسام أدرك لذائذ هدم المرئيات رمزيا وإعادة صياغتها كمراقب وجد نفسه متحررا ً من الحافات : لقد سمح لنصوصه ان تشكل حلقات في حكاية تدمج دوافعها بأشكالها.. فاعتماده عنصر الخط، قاده لصياغة مشاهده كأحلام زاخرة بالأطياف.. حتى لا تبدو التعبيرية إلا وقد شذبت من بربرية النزاع، وتحولت مشاهد القسوة إلى كوابيس لا تثير القرف. إن ( الفن) لا يمارس الانسحاب، ولكنه يذهب أبعد من ضرورات الشرح والتأويل. هنا يأخذ الخط ـ وعمل المخيال التخطيطي ـ كما فعل كاظم حيدر في آخر أعماله ـ مداه في البوح : ثمة حدود مندمجة بين الصلابة والمرونة، بين القسوة والشفافية ، لتشكل وحدة بين الشعري والواقعي، حتى لا تبدو نصوصه إلا وقد غدت ضربا ً من الموسيقى : دوائر غير مكتملة، خطوط متموجة، وأقواس مقلوبة، ومنحنيات متداخلة تشترك برسم التداخلات، كرحلة متواصلة. لكن الرسم ليس عقارا ً، أو علاجا ً لمرض كونته عوامله القديمة، وهو ليس نظاما ًللحوار، أو استدراجا ً لعواطف الآخر، أو لفت النظر إلى موضوعات دون سواها.. ولكنه ـ مع هذا التوليف من الشذرات والشطحات والمفارقات ـ لا يتوقف عند المساحات، وإنما يفكك نسيجها، كمن لا يكف عن تأويل الواقع بمنظار الحالم، دامجا ً المقدمات بالنهايات، مع إبقاء الوسط متصلا ً؛ فالجدران والسلالم والخيول والنساء والوجوه .. الخ تأتينا من أزمنة لم تدفن بإحكام. فالوهم لا يقل جاذبية عن السوريالية والواقعية السحرية بما تعلنه من استحالات عابرة، منفذة بشعرية، حتى يبدو العالم وحدة تقول الذي ينتظر القول. ان محمد سامي لا يستدرج عاطفتنا ـ كما كان إبراهيم زاير ، قبل أربعين سنة تقريبا، ً قد كتب حول تجربتي الأولى التي عرضتها في مقهى شعبيي الكلمة ذاتها بجعل الواقعي متجانسا ً مع حرية تعقب المتضادات ـ ولكنه  يحافظ على حيويتها : ففن التخطيط  يتقمص تموجات الأصوات النائية، أو التي لا تكف ترجعنا إلى مصدرها، كي تمنح الشعري قدرة موازنة بينهما، مع ان الشعري ـ في الغالب ـ لا يعوّل على عقلانية التأويل، بل يقلب المعادلة ويمنح الحلم ذروته في التشكل

  2.  بيد ان هذا المنحى في تجارب الرسام الشاب، لا يكتمل خارج أقنعة الرسم والاستعارات، وتقمص أنظمة غدت ـ بفعل عولمة الذاكرة والأسواق . الأحلام ـ تنتمي إلى مرجعيات متماثلة، بل يلخص مساره في تعقب أساليب وومضات فنية مازالت تحكي دهشتنا البكر : موتنا كشرط لديمومة ما اصطلح عليه بالأسطورة .  إن محمد سامي لا يفعل ذلك، وفق الاتجاه التعبيري، بل يحفر في السطح، حيث العناصر لم تصب بالوهن، والخلايا مازالت ـ كرنين دوي الانفجار الكبير ـ تتخذ موقعها ضمن المشهد الكلي : ان لوحاته تنبثق، وتغادر سكنها، كطواطم فلتت من زمنها، واستحالت أطيافا ً تتجول أينما شاءت، وفي الوقت نفسه، انه يرسم ( ماضينا ) حيث الطواطم والجدران والأجساد والأطياف لا تعلن عن أبديتها، بل عن مغادرتها.  فثمة هذا الذي لم يتم البوح به، أو الإعلان عنه، يكمن في شبكات وتموجات وذبذبات الطاقات التي  استحالت أحلاما ً : فالذي لم يكتمل، في النص أو في المعنى أو في القصد ، اكتمل مشروعا بجمع هذه العناصر في حركتها لا في ثباتها.  انه يأتينا من حافات لم تعد قائمة، ليذهب ـ وقد تعثرت خطاه في الحاضر ـ نحو الاتساع .. وقد لا يكون الرسام، وهو يقبع داخل [ قرن ] يتأرجح بين الاستيقاظ، وبين الاحتفالات الجنائزية المزخرفة بالتعالي ـ قد رسم الذي أراد تنفيذه، إلا بالكف عن أقنعة الرسم .. فهل فعل، كما نقش رسام المغارات، نهايات الزمن، وهو يحدق في ماضيه المجهول..؟ ـ :  ذلك الحاضر الغائب، وحده يتكرر، ضمن إيقاع الأسر، ولذائذ مرارات الاحتفال، أو الدفن، أو الانتظار ...؟