W r i t i n g

 

دراما الواقع ـ والمخيال 

عادل كامل

  1.     يحدد محمد سامي موضوعا ته بتجانس المتضادات، مدخلا ً عاما ً تتحرك عبره عناصره الفنية. بيد ان توكيداته سترسم مشهدا ً صريحا ً لدراما لا تغادر خبرته البصرية.. فعلى سبيل المثال :

  2. 1 ــ يتكرر الجدار..

  3. 2 ــ والخيول ..

  4. 3 ــ والوجوه..

  5. 4 ــ إلى جانب الرجل والمرأة .. الخ

  6.     كي تدخل هذه الرموز في مشاهد لا يكتمل فيها الصراع :  فالجدار الذي يتكرر يأخذ مداه اللاواعي إزاء حقيقة صراع الإنسان.. وخيوله الجامحة، هي الأخرى، لا تذهب ابعد من نزعته المتمردة.. ووجوهه المتناثرة، المبنية بالحيطان والأرض والأشجار، تتجانس مع هذه الاختيارات في معالجاتها الفنية.                                                                                                  

  7.      ان الرسام الشاب، لجيل بلا مقترحات، ولم ينتج شيئا ً يذكر( منذ تعطلت الحياة الفنية بسبب الحرب والعنف والمصائر المجهولة )  يغادر الموضوعات  التي سادت  وشاعت منذ عقد في الأقل.

  8.      فيضع مسافة  تجاه السكون والزخارف وترف الفن، ويعيد للنص دراما تنتمي إلى الحركة : انه يقلب تجارب عصر  الموجة الثالثة ـ التي صاغت  تيارات ما بعد الحداثة ـ نحو جذورها : الكائنات في مواجهة مستحيلاتها. فلا يستعير الرموز اليومية المتداولة في الصحف والفضائيات والإعلام؛ أي رموز العنف والموت والخراب، وإنما يعبر، ببساطة، عن المنابع الكارثية  المبكرة لمفهوم القوة والصراع  ألعدمي المرير. حقا ً، يتساءل المشاهد، ما الذي يمثله الرسم في عصر الكهوف .. وما الذي يمثله الرسم، في عصر نهاية التاريخ، أو عصر الرفاهية ؟

  9.      ان الرسام  لا يحول نصوصه إلى ( سلع ) ولا إلى ( دعاية) .. فالرسام يرسم بالدوافع ذاتها التي تكمن وراء ظاهرة الكلام والكتابة.. ليقودنا، بعد معرفة جدل الوظائف والأشكال،  إلى تمرده. فهل اختار عبثا ً الارتقاء بالرسم إلى مشاهد العويل، والفزع حد الكتمان...؟ انه ـ في تجاربه البكر ـ قد شكل امتدادا ً منطقيا ً لرسومات علاء بشير وإسماعيل  خياط ومحمد راضي عبد الله واراش كاكافيان وماهر حربي وعلي النجار وعدنان لعيبي..كي  يكمل هذا الاتجاه الذي يعود إلى (بوش)و(دورر)و ( غويا) و( دالي) مرورا ً بالدادا والسوريالية والتعبيرية بأساليبها المتنوعة. فالذات  تبرز بلا أعذار: ذات الرسام وذات النص! فـ [ ذات]  النص ليست مرآة للفنان أو المجتمع ـ كما قال جواد سليم في خمسينيات القرن الماضي ـ بل أشكالا ً عشوائية  انتظمت داخل إطار. إنها ليست رومانسية إلا في حدود التأويل، وليست تعبيرية إلا في حدود رصد الصراع ... الخ ولكنها ـ مع انها تحافظ على تشخيصاتها والتحويرات المناسبة لها ـ تمنح خلايا  وذرات وجسيمات الأشكال صلة ما  بالرسام ـ والمشاهد معا ً: الرسام ونصه . فالنص ـ ذاته ـ يغدو علامة  قابلة للتفسير بما يمثله من رصد للمتضادات والفنتازيا والمفارقات..وهنا يحيلنا الرسام إلى عصر تكوّن صراع الذات مع : الآخر/ ومع الطبيعة/ ومع المجهول، وفي الوقت نفسه، معنا نحن في ( الآن) و( هنا) التزمانية.. فثمة زمن واحد كونته  التراكمات والصراعات والاستحالات. فلا تستقر عناصر النصوص ولا تنبني كما تشيّد  المتاحف والقصور والحدائق والأعمال التزيينية أو الدعائية .. بل تتناثر حول مركز هو ( النص) وليس الذات أو انغلاقاتها التعبيرية. فلا رومانسية ولا تعبيرية ولا رمزية يمكن ان تجمع هذه المعالجات ، بل الاختلاف ـ هو ـ  ذاته الذي سيفضي إلى استحالة ثباته . وكأن الزمن بلغ ـ منذ تكون ـ نهايته : فهو يمتد نحو داخله، وليست المشاهد الفنية ـ منذ عصر الكهوف والمغارات حتى يومنا هذا ـ إلا توكيدا ً امتداديا ً لعلاقة  المحركات بالمخيال، والمحركات بالأقنعة : فلسنا أمام مواعظ، أو جماليات، أو نذور ..بل أمام دراما لا تخفي إلا الذي يكمن في المشهد : انه الوضوح السحري للواقعية بمعناها الدينامي الذي مازال يتكرر برصد مجموع العلاقات والاشتباكات . والرسام، في هذه التجارب البكر، لا  يغامر، وإنما يختار اقل العناصر حضورا ً كي يمنحها ما تريد ان تخفيه في وضوحها: الأمل.  فالجدران تواجه مخلوقاته.. ولا حافات الفضاء تحاصرها، وبالحدة ذاتها تتحول الأشكال إلى موجات وذبذبات وجسيمات يصعب تأويل دوافعها وضبط حركاتها إلا في إطارها.  فليس ثمة  دلالات تذهب ابعد من محنة تحول الوعي،  الراصد والمراقب والمنفذ،  إلى انغلاق مفتوح : عشوائية محكومة بتكرار انتظم ضمن عمل المخيال، داخل الزمن.