|
الفنان
العراقي محمد سامي
تواصل متجدد مع تلقائية البدايات
ماضي حسن
ناقد تشكيلي
يقول جان برتلتمي : عبر عن نفسك في أصالة تصبح أنت
الآخرين أيضا
في زخم من التقاليد والنزعات المألوفة التي باتت تشكل
تواترا دائما علي نحو يصعب اختراق سياقاته(المودوية)
في هذا المضمار تطفو أعمال الفنان محمد سامي علي أعتاب
جغرافية الفن التشكيلي العراقي بتاسيسات لا تغادر خطاب
ألذات المنكوية تحت تأثيرات ومضاهر شتي وفي أشدها حالا
مضاهر الواقع الراهن.
إذ تنطوي بنائية النص عند الفنان محمد سامي علي تفكيك
البنية التي ذهبت إلي إحالة التكوينات تحت تأثير
الانصهار الذي تمتزج به حافات العناصر والتي تفضي
بدورها إلي خلق مناخ بصري (deucoration) يختزل الحروف
التشكيلية كي يحيلها إلي سيمفونية أصداؤها غامضة.
ومن جانب أخر أراد الفنان ان يدحض اشتراطات المشهد
الواقعي المغلق في استجاباته الحسية لتداعيات ألذات
القلقة ، بين هذا وذاك أسس الفنان الشاب محمد سامي
أسلوبه علي وفق تصوراته التي من شانها إن تطلق العنان
إلي خياله المنسلخ من تلك الاشتراطات القسرية وبدافعية
محتدمة ومتراكمة داخل ألذات تفصح عن طموح جامح لتأكيد
الهوية الفنية من جانب ، والاستجابة الملحة إلي رصد
المشهد الواقعي ببناء أسلوبي خاص هذا ما يؤرق الفنان
محمد سامي في خياله النقي من شوائب ومخلفات العقود
الماضية والتي باتت لأتشكل امرا مهما يكترث إليه البعض
؛ في خضم تلك الاحتدامات تستجيب اللغة البصرية عند
الفنان لمعطيات واقع مليء بسوداوية الأمل .. لكن
الفنان يمنح تلك الرويء قوة سحرية تخترق جدران لم تعد
إلا واهنة إمام شخوصه الشبحية .
المناخات والمعني
إما في مناخات الفنان محمد سامي نجد هنالك تضادات
لونية إلا إنها ليست ألوانا مستمدة من نظم التضادات
الحارة ضد الباردة ، كالأحمر ضد الأخضر اوالاصفر ضد
البنفسجي مثلا ، وإنما اتبع استخدام الألوان الحيادية
فالأسود يشكل القاعدة المضادة التي تستند عليها
الألوان الباردة عموما كي تشكل مناخا مهجورا أشبه
بالأطلال المسكونة بالأرواح والتي تتوائم مع ثيمته
الرئيسة ، أولا ، وبناء تكوينات جدرانه المتهرئة ثانيا.
لذا نجد هنالك نسيج من ألوان قاتمة ، تتراجع إمام
هجمات الضوء المتقاطعة ، تكوينات تدعمها غلالات سوداء
وزرقاء وصفراء ورمادية باردة ، كل ذلك اضفي علي
الأعمال مسحة من السوريالية والرومانسية اليقضة موزعة
بين إحساس مشهدي وبين ذهنية تستند علي حرص أدائه .. إذ
تبدوا في أجزاء أعماله خصائص دراسات (study) متلاشية
الإطراف تختفي ملامحها في فضائات المحيط نتيجة
الشفافية اللونية لحافات التكوينات المرسومة وفي جانب
أخر اشراقات منقطعة والتي تبدو أحيانا كأنها أفلتت من
قبضة السيطرة عليها بتأثير جاذبية الفضاءات المجاورة
أو تداخلات التكوينات الأخري .
وبذا فان الفنان عموما قد منح أعماله صفة التعتيق أو
إخضاع مناخات التكوينات المعتقة إلي مرتكزات مكانية
تثير لوعة ، وشجن ، وأسي ، تهرأت أوصال أشكاله الرثة
تحت تأثيرات الإسقاطات الذاتية الانعكاسية علي صنع
هيئة التكوين ، والمعني الباطني ، ولذالك نجد إن معني
النص ببعديه الباطني والظاهر للعمل يتداخل مع منضومة
المناخ العام للعمل دون تناقض يلاحظ .
فالفنان ينتقل إلي تلقائية البدايات وخاصة في
التخطيطات الملونة والتي تبدو فيه الخطوط متشابكة
ومتداخلة أشبه بخيوط الغزل والتي تتطلب فك التباساتها
، إلا إن إبقائها بهذه الهيئة هي إفصاح عن قدرة إيصال
المعني دون إثقال التكوينات بتعقيدات مبالغة والخطوط
دوما هي تمثل التلقائية الأولي للفكرة دون تعديل مصطنع
، وبذا فأنها قد تحقق مقتربات المعني بين مصدر الأثر (
الفنان ) وبين المتأثر ( المتلقي ) وهي كشف عن قدرات
الفنان التخطيطية بدون مواراة تحت أجنحة التعديل
والإلغاء والإضافة وخاصة في الأعمال الزيتية ، إن
الأداء التخطيطي لهذا النوع من الأعمال هو اختبار
الفنان لذاته من جهة والحفاظ علي إمساك الومضات الأولي
للفكرة قبل اختفاء بعض من ملامحها علي اثر بناء العمـل
التقني في المراحل اللاحقـــة.
إن إعمال الفنان محمد سامي التي استخدم فيها الخطوط
الخارجية (out line) بقيت محافظة علي تأكيداتها الخطية
حتي في الأعمال التي استندت علي خلفية ملونة شكلت فرشة
مبسطة خالية من التعقيدات التكنيكية أو تبايناتها كي
تحافظ علي حيوية الخطوط النابظة ، وبذا فان المناخ
العام للعمل بقي في حدود الخطوط التي تستمد عمقها من
الفن البدائي في الرمز والدلالة وشروطها الشكلية ،
وتشكل هذه الأعمال تحديدا إرسالا مباشرا للمتلقي مفعمة
بحركات الخطوط المنتهية لانفلاتات تكاد تنفصل عن الأصل
نحو الفضاءات المنفتحة ، وموضوعة هذه التكوينات
الإنشائية هي الخيل عموما أو الثور في حركاته الجامحة
، اذ نشاهد بركة من الدم فائضة علي الأرض من جراء
اصطدام راس الحيوان في الأرض ، تحيلنا هذه الدلائل إلي
معان منحبسة داخل هواجس الفنان الشاب محمد سامي بفعل
تأثيرات الإحداث الدراماتيكية التي نعيشها ألان ..
في خضم تلك المصادر والمرجعيات التي تؤثر علي مدلولات
العمل عند الفنان تأخذ مديات أخري في أعماله الزيتية
والتي تأخذ تكويناته الرئيسة صفة الشفافية رغم
التضادات اللونية التي ذكرتها أنفا ، فان الحركات
العنيفة ذاتها كما في التخطيط تخترق الجدران الواهنة
وهي نوع من هاجس نفسي مكبوت ومنحبس تحت وطأة الضغوط
النفسية الحالية ..
أنها صراع من اجل الخلاص من كوابيس مصدرها واقع مرئي
وليس حلم فنتازي، وبنفس المعني نلاحظ في تكوينه الغامض
الذي يبغي الخلاص من خلال نافذة سوداء إلا إن المحاولة
مقيدة بفعل إعاقة تحرر الجناحين المبسمرة علي جنبي تلك
النافذة .
وبشكل عام فان الفنان لم يقحم الأعمال بمرموزات تراثية
أو معاصرة وحتي التكوينات التي مر ذكرها هي ايحاءات
عائمة في مشهدها البصري سوي الجدران أو بعضا من أجزاء
تكوينات أخري والتي أخذت منه مأخذا من الدراسة المركزة
كي تكون مركز الفكرة والمعني للعمل الفني ، وقد ربط
الفنان بخيط واهن بين عجلات مسننة حديدية تمثل
التكنلوجيا المعاصرة وبين دوائر حمراء تخترق أجساداً
مصلوبة أو معذبة
سياقات البناء والتكنيك
بالرغم من إيحاء ادراكاتنا العابرة قبل التمعن جليا عن
المسحة السوريالية لاسلوبية العمل عند الفنان محمد إلا
إن مقتضيات التجريب والمغامرة لازالت لم تقيد ركونه
عند اشتراطات التكنيك السوريالي لبناء العمل الفني
فبعض الأعمال لديه كعمل ( شباك وطير مقيد ) منح
الخلفية تكنيكا مختلفا عن تقنيات العمل السوريالي
المبالغ في أدائه الكلاسيكي حد الندب أو النتوءات
الدقيقة كما هو الحال في الجدران ، اذ عمل الخلفية
بطريقة أشبه بألوان البوستر المائي .
إما في تخطيطاته فقد استخدم خطوطاً متعددة الألوان
ومتداخلة أشبه بالألوان الخشبية أو الدهنية مما أضفت
علي العمل ليونة في اتجاهات الخطوط وحركتها وتحررها من
التوقفات المتقطعة ، إلا إن الفنان لم يستخدم تباين في
ملمس السطح ويبدو لي إن الأعمال القادمة ستقدم لنا
انتقالات أو تحولات واضحة في أسلوبية العمل المستندة
إلي مستجدات التكنيك ا لخاضع إلي آلية التجريب المستمر
، وكذلك إضافة ألوان ترطب الالوان. المحروقة التي
استخدمها في اعماله الحالية؛
زيادة علي إدخال زخم من قوة الألوان المتضادة كي تشكل
بؤرة مركزية لاستقطاب الرؤي عند المتلقي والتي من
شانها من جانب أخر إن تساعد في إيصال معني النص
الخطابي والذي يتطلب أحيانا حدية في الإشارات اللونية
كما حصل لديه في تخطيطاته الملونة .
إما فيما يخص حركة الأشياء عنده فان التكوينات الرئيسة
تكتسب حركة عنيفة تخترق الأشياء المحيطة بدءاً من
انطلاقاتها وانتهاء بإطرافها الضبابية والحركة في
أجزاء المفردات متقاطعة تفرز من جرائها مثلثات أو
دوائر مستمدة من الملامح الشكلانية للتكعيبية ، إلا إن
هذه الحركة الأفقية أو الحلزونية أو الرائسية أحيانا
يساعد علي متابعة رصدها من قبل النظارة سكون الإطلال
من الجدران والخلفيات المعتمة بوحدة السكون الموحش
الذي يبطن في داخله ذكريات الماضي ، ولم يغب عن الفنان
فكرة إبقاء الثيمة الرئيسة للعمل دون إضافة تكوينات
أخري قد تشوش تكوينه الرئيسي ، وبهذا تحقق جانب
التوازن والمركزية للعمل كما إن مفردات العمل تحركه في
فضاء ات مفتوحة رغم عتمتها السائدة .
|