W r i t i n g

     

في تجارب الفنان محمد سامي

إيقاع الأصوات النائية وذاكرة الأشكال

 

عادل كامل

  1.        بين تجارب امتدت لعقود، في الرسم العراقي، وانتهت بنزعات عقلانية استقرت عند التجريد، والتجريد بأشكاله المتنوعة، وبين نزعات ذاتية راحت اما ببعث الاتجاهات التعبيرية  واما بالنزوع نحو واقعية  حديثة  تناسب بلوغ الأهداف نهايتها، فان التجريب مكث برنامجا مشروعا ً لتلافي التكرار والجماليات الأحادية. إن هذا الحد الفاصل، لا يتسع إلا بوجود تجارب تختلف في محركاتها وأشكالها وما تتوخاه. ومع  استحالة تفكيك مساحة الرسم إلى مصادر محددة، واستحالة عزلها، فان التداخل، والاندماج، لا يقلل من ظاهرة الاختلاف : نزعات جعلت البنائية، والتركيب، والتوليف تنسجم مع مفاهيم التصميم، والذهاب بالرسم نحو جماليات خاصة، أقرب إلى التزيين،  والانشغالات الذهنية، ونزعات لا تغامر إلا في حدود ما يريد الرسم أن يقوله. فالسرد يكاد يكتم صوته، حيث النصوص تستعيد قوة التعبير، ومناخات الأساطير،  ومنح الرموز وظائف الحوار والإيصال.         

  2.      والرسام محمد سامي، لا يخفي انحيازه للتيار الأخير .. فجغرافية النص تنبني بالاستناد إلى المتضادات: عالم الصمت وعالم البوح / السينما  والصورة / التطرف والتشذيب .. الخ فالرسام يدشن مسيرته بالوثائق، وإعادة قلب المشهد الواقعي إلى لقطات يأخذ الخيال دوره فيها؛ الخيال بما هو محاكمة أو دحض للواقعي، والخيال بما هو تحرر من الانغلاق. فنصوصه تكتظ باشتغالات أقدم التجارب : استلهام الطواطم، والحفاظ على الجدران كمساحات للرسم، ومنح الجسد  مغزاه في المقاومة، والتلاشي، والامتداد.                                                                                  

  3.      هذه النزعة التي لم تعد مألوفة في الرسم العراقي، لا بتأثيرات عدد من اصحاب القاعات أو تيارات ما بعد الحداثة، وإنما بما يشكل حدا ً مغايرا ً لحيادية النص. محمد سامي لا يعزل تكنيكه ـ وتقنيته بعد ذلك ـ عن تاريخ الرسم من ناحية، وعن التشبث برصد مصائر المشهد الإنساني المرئي : الغوص في مخفيات النفس، كذات فردية أو كجماعة، ومنح الأشكال حرية تناسب الرسم في أزمنته الأولى، حقيقة اندماج السحري بالمنطقي، والشعري  بالواقعي، والغامض بالمباشر من ناحية ثانية .

  4.      فهل ثمة بدائية تتجانس مع لغة تكف عن محليتها؛ بدائية لا تشترط رصد  عالم ما قبل اكتشاف النار، والسكن في مغارات محاصرة بمصائر مجهولة، وإنما لا تكف عن دحض الفواصل، والنظر  إلى الامتداد كزمن متراص، مع انه يبقى يعلن عن وحدته الساحرة، المشحونة بالصدمات، واللامتوقع.                                                                                                             

  5.      إن محمد سامي ليس رساما ً رمزيا ً، ولا سورياليا ً، ولا بدائيا ً أيضا ً: انه يعمل بما يمتلكه النص من شروط لا يتقاطع فيها المخيال بمصادره، ولا المرئي بمخفياته. فهو يجعل من عنصر الخط، بحثا ً عن المصغرّات، واللامتناهيات في الصغر، حد البحث عن سر تكوّن الخلايا البكر للنبض أو الحياة؛ إضافة للألوان البكر، أو المشغولة بوظائف المعنى والغايات، كي يتكوّن النص، تراكميا ً، بوحدة الدوافع، والشكوك، والغوايات الدفينة.                                                                             

  6.      هل حقا ً لا يوجد رسم بريء .. مثلما لا توجد امرأة لم تلد ابنا ً غير آثم ـ بحسب التماعة سومرية غريبة وغامضة ـ  أم ان ما يريد ان يقوله الرسم ـ وما تقوله آليات التتابع والامتداد ـ يمتلك أبعد من هذا المعلن : التقويض ؟

  7.      إن محمد سامي، وهو يدخل خارطة الرسم العراقي اليوم، لا يستعير أقنعة لرسوماته؛ أقنعة  غدت جزءا ً من الموروث المتداول، وإنما  يحاورها ولكن استكمالا ً لتقاليد لا تجعل المعنى فائضا ً، أو مهجورا ً. وهنا ، تحديدا ً، تتداخل عناصر نصوصه ، كي تحكي الذي  لا يسرد : القصة في  صمتها الذي يذهب ابعد من الكلام .